Wednesday, 27 April 2011

من حكمة في سورة النحل

Wednesday, 27 April 2011 0
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم
 
بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار

هذه الآية الكريمة جاءت في أوائل العشر الأخير من سورة النحل‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(128)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم النحل لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد نحل الشغالات من إناثها القدرة علي جمع رحائق الأزهار‏,‏ وما بها من غبار الطلع‏(‏ حبوب اللقاح‏)‏ من العديد من النباتات المزهرة‏,‏ وهضمه‏,‏ وتحويله في بطونها إلي ذلك الشراب المختلف الألوان الذي جعل الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ فيه شفاء للناس والمعروف إجمالا باسم عسل النحل‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة النحل حول قضيتي العقيدة الإسلامية‏,‏ والدعوة إلي مكارم الأخلاق‏,‏ وكلتاهما من ركائز الدين الإسلامي العظيم الذي أنزله الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي فترة من الأنبياء والمرسلين ثم أكمله وأتمه في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم سيدنا محمد بن عبد الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
وفي خلال تأسيسها لقواعد العقيدة الاسلامية استشهدت سورة النحل بالعديد من آيات الله في الكون بصياغة علمية رصينة تتسم بالكمال والشمول والإيجاز‏.‏

من ركائز العقيدة في سورة النحل
‏(1)‏ الإيمان بالله‏(‏ تعالي‏)‏ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏,‏ لم يلد‏,‏ ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفوا أحد‏,‏ وتنزيهه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ عن الشريك‏,‏ وعن الشبيه‏,‏ وعن المنازع‏,‏ وعن كل من الصاحبة والولد‏,‏ فهذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏(‏ تعالي‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لايليق بجلاله‏.‏
وهذا الإله الخالق هو خالق كل شيئ‏,‏ ورازق كل مخلوق‏,‏ فلا يخلق ولايرزق غيره‏,‏ وبالتالي فلايجوز أن يعبد سواه‏,‏ ولايجوز أن يدعي إلا بما سمي به ذاته العلية من الأسماء الحسني‏,‏ ولايوصف إلا بما وصف به ذاته الإلهية من الصفات العليا‏,‏ ومن هنا فلايجوز للمخلوقين أن يضربوا لله الأمثال لأنهم لايعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا والله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ عليم بكل شيء‏,‏ له غيب السماوات والأرض‏,‏ وأمره نافذ عاجل لايرد‏,‏ وأنه علي كل شيء قدير‏,‏ وأن الدين له وحده‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ لايشاركه في ذلك شريك ولاينازعه منازع‏,‏ ومن ثم فالحاكمية له وحده ومضمونها الحق في التحليل والتحريم‏.‏
والخلق يشهد لخالقه بطلاقة القدرة‏,‏ وببديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق‏,‏ وإحاطة العلم بكل شيء في السماوات والأرض‏,‏ وهما وجميع ما ومن فيهما له عبد يسجد لجلاله طوعا وكرها‏.‏

‏(2)‏ اليقين بحقيقة الوحي ومن معانيه أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ أنزل ملائكته بالهداية الربانية لخلقه علي من إصطفي من عباده الذين اختارهم بعلمه وحكمته‏,‏ وهم الأنبياء والمرسلون الذي أرسلهم الله‏0‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بالإسلام العظيم وختمهم ببعثه سيد الأولين والآخرين من ولد آدم سيدنا محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
‏(3)‏ الإيمان بحتمية الآخرة‏,‏ وبضرورتها وفجائيتها‏,‏ وبأن موعدها قد اقترب‏,‏ واليقين بحقيقة كل من البعث والحساب‏,‏ والجنة والنار‏,‏ وبأن الجنة هي مثوي المتقين‏,‏ وأن النار هي مثوي الكفار والمشركين‏.‏

‏(4)‏ اليقين بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ سوف يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم في يوم القيامة‏,‏ وأن خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ سوف يشهد علي الناس في زمانه وفي كل الأزمنة من بعده إلي يوم الدين‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يفضل بعض خلقه علي بعض في الرزق‏,‏ لحكمة يعلمها بعلمه المحيط‏,‏ وأن من نعمه علي عباده أن جعل لهم من أنفسهم أزواجا‏,‏ وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة‏,‏ وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة‏,‏ حتي يكتسبوا بها المعارف المختلفة لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يخرج المواليد من بطون أمهاتهم لايعلمون شيئا‏;‏ وكل نعمة اختص الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بها عبدا من عباده هي من فضل الله العليم العظيم الذي لاتحصي نعمه ولاتعد أفضاله‏.‏

‏(6)‏ اليقين بأن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الاسلام‏,‏ وبأن الهجرة من أجل إعلاء دين الله أجرها في الدنيا عظيم‏,‏ وثوابها في الآخرة أعظم‏,‏ وبأن الذين مكروا السيئات لايأمنون أن يخسف الله‏(‏ تعالي‏)‏ بهم الأرض‏,‏ أو أن يأتيهم عذابه من حيث لايشعرون‏,‏ وبأن من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فسوف يحييه الله حياة طيبة‏,‏ ولسوف يجزيه أجره بأحسن ماكان يعمل‏,‏ وبأن الذين زين لهم الشيطان أعمالهم سوف يكون هو وليهم يوم القيامة‏,‏ وأن لهم عذابا أليما‏.‏ وأنه لاملجأ ولا منجي من الله إلا إليه‏.‏
‏(7)‏ الرضا بأن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ قد وهب الناس عقولا مدركة تفكر‏,‏ وإرادة حرة تختار وتوجه‏,‏ وقد تبين لهم طريق الاستقامة الموصل الي الخير‏,‏ وطرق الانحراف المفضية الي الشر‏,‏ وترك الخيار كاملا لكل فرد‏.‏

من مكارم الأخلاق في سورة النحل
‏(1)‏ الدعوة الي إقامة عدل الله في الأرض‏,‏ والإحسان الي الخلق‏,‏ والوفاء بالعهد‏,‏ واحترام الأيمان‏,‏ والإنفاق في سبيل الله وإيتاء ذي القربي علي أن ينطلق ذلك كله من منطلق تقوي الله‏,‏ ورجاء رضوانه‏,‏ ومخافة عقابه‏,‏ مع القناعة الكاملة بضرورة ذلك من أجل استقامة الحياة علي الأرض‏.‏
‏(2)‏ الدعوة إلي رفض الظلم بكل أشكاله وصوره‏,‏ وبضرورة مقاومته بكل وسيلة مشروعة‏,‏ فإن تعذر ذلك فلتكن الهجرة في سبيل الله‏.‏

‏(3)‏ التحذير من الوقوع في الفتن ـ ماظهر منها ومابطن ـ ومن أخطرها فتن الكفر بالله‏(‏ تعالي‏)‏ أو الشرك به‏(‏ سبحانه‏),‏ أو التطاول علي أنبيائه ورسله وبالأخص علي خاتمهم وإمامهم أجمعين‏,‏ سيد الأولين والآخرين من ولد آدم‏,‏ وأحب خلق الله إلي الله‏.‏
‏(4)‏ النهي القاطع عن الوقوع في دنس الفحشاء والمنكر والبغي والأمر بالبعد عن كل طريق يوصل الي أي منها‏.‏

‏(5)‏ الحض علي شكر نعم الله الظاهرة والباطنة‏,‏ فبالشكر تدوم النعم‏,‏ وتنكسر حدة الغرور في النفس الإنسانية التي يجب عليها أن تعلم أن مرد كل نعمة إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ وحده‏,‏ وأنه لامخرج من كل شدة يمر بها الإنسان إلا باللجوء الي الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وحده‏.‏
‏(6)‏ التذكير برحلة الإنسان في هذه الحياة من النطفة الأمشاج الي الميلاد والطفولة‏,‏ ثم الشباب والفتوة‏,‏ ثم الكهولة والشيخوخة والهرم والضعف‏,‏ ثم الاحتضار والموت‏,‏ ومايتخلل ذلك العمر من فترات الرخاء والشدة‏,‏ وفترات النعمة والابتلاء‏,‏ ومحصلة ذلك كله عند مفارقة الحياة الدنيا‏.‏
‏(7)‏ الدعوة إلي تكريم الأنثي طفلة‏,‏ وشابة‏,‏ وعجوزا‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة البعث
‏(1)‏ التأكيد علي قضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏:‏ خلق السماوات والأرض‏,‏ خلق الحياة‏,‏ خلق الإنسان‏,‏ وعلي أن خلق الإنسان يتم من نطفة لاتري بالعين المجردة والعلم يؤكد حقيقة ذلك‏.‏
‏(2)‏ الإشارة إلي خلق الأنعام‏(‏ من مثل الإبل والبقر والضأن والماعز‏)‏ وإلي مافيها من منافع كثيرة‏,‏ ومعجزات ظاهرة ومن أبرزها تكوين اللبن في ضروعها من بين فرث ودم‏,‏ وإخراجه لبنا خالصا سائغا للشاربين‏,‏ وأكل لحومها‏,‏ والتدفئة بما يصنع من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها‏,‏ وخلق كل من الخيل والبغال والحمير‏,‏ وغير ذلك من وسائل الركوب والزينة وحمل الأثقال التي كانت معروفة في زمن الوحي‏,‏ والتي استجدت من بعد زمن الوحي‏,‏ والله قادر علي أن يخلق كل شيء مما يعلم الناس ومما لايعلمون‏.‏

‏(3)‏ الإشارة الي دورة الماء حول الأرض بذكر إنزاله من السماء مصدرا للشراب‏,‏ ولإنبات النبات من الشجر والزروع من مثل الزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات وجعل ذلك آية للذين يتفكرون‏.‏
‏(4)‏ تسخير الأرض كي تكون صالحة للعمران‏,‏ وتسخير كل من الشمس والقمر والنجوم بأمر من الله‏(‏ تعالي‏)‏ كي تستقيم الحياة‏,‏ والإشارة إلي تكوير الأرض‏,‏ وإلي دورانها حول محورها أمام الشمس حتي يتبادل عليها الليل والنهار‏,‏ ومن نتائج ذلك مد الظل وقبضه الذي اعتبرته صورة من صور السجود لله‏(‏ تعالي‏).‏

‏(5)‏ نشر مختلف صور وأشكال وألوان المخلوقات من الأحياء والجمادات في الأرض وإعطاء الإنسان قدرات من مختلف صور الحس تعينه علي تمييزها‏,‏ والتمتع بها‏.‏
‏(6)‏ تسخير البحر للإنسان بما فيه من أحياء ذات لحم طري يؤكل‏,‏ وهياكل للحيوانات تصلح لصناعة الحلي التي تلبس‏,‏ وقدرة علي حمل الفلك ذات الأحجام المختلفة التي تجري بمصالح العباد شاقة عباب مائه‏,‏ ومافوق الماء من هواء‏.‏

‏(7)‏ إلقاء الجبال علي الأرض‏,‏ وجعلها رواسي لها كي لاتميد ولاتضطرب‏,‏ والإشارة إلي ارتباط تكون قمم الجبال بتكون منابع الأنهار‏,‏ ودور تلك المجاري المائية في تفتيت الصخور‏,‏ وشق الفجاج والسبل‏,‏ وتشكيل تضاريس سطح الأرض التي تصبح علامات دالة للاهتداء بها في وضح النهار‏,‏ كما جعل النجوم علامات للهداية بالليل‏.‏
‏(8)‏ وصف عقاب بعض الأمم السابقة وصفا ينطبق بدقة فائقة علي ماتحدثه الهزات الأرضية العنيفة‏(‏ الزلازل‏)‏ في زماننا‏,‏ وذلك من قبل أن يدرك أحد من الخلق كيفية حدوث ذلك‏.‏

‏(9)‏ الاستشهاد بما في ثمرات كل من النخيل والأعناب من الرزق الحسن‏,‏ وإن أساء بعض الناس استخدام ذلك في صناعة الخمور‏.‏
‏(10)‏ الإشارة إلي أمة نحل العسل‏,‏ ومنحها القدرات الفطرية علي تنظيم مجتمعاتها تنظيما دقيقا تتوزع فيه الاختصاصات والمسئوليات والمهام في تعايش جماعي تكافلي رائع‏.‏

‏(11)‏ التنويه بخلق بلايين الرجال والنساء من نفس واحدة هي نفس أبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ الذي خلق الله‏(‏ تعالي‏)‏ منها زوجها‏,‏ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء‏,‏ وخلق من هذه الأزواج البنين والحفدة‏,‏ وجعل من هذا النسل العظيم من يتوفي مبكرا‏,‏ ومن يرد إلي أرذل العمر وإلي ضعف البنيان الجسدي‏,‏ ومن أبرز مظاهره فقدان الذاكرة جزئيا أو كليا‏.‏
‏(12)‏ الإشارة إلي السمع قبل البصر في هذه السورة المباركة‏,‏ وفي العديد من السور القرآنية الأخري‏,‏ والدراسات العلمية تؤكد سبق تكون حاسة السمع لحاسة البصر في أجنة الإنسان‏,‏ وفي أجنة غيره من المخلوقات‏.‏

‏(13)‏ التلميح إلي الإمساك بالطيور في جو السماء بقدرة الله البالغة‏.‏
‏(14)‏ استخدام تعبير الحر بمفهومه النسبي يعني الحرارة والبرودة وهذا صحيح علميا‏.‏

‏(15)‏ تحريم أكل كل من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به‏,‏ والبحوث العلمية أثبتت أخطار كل ذلك علي صحة الإنسان‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج الي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك أقصر الحديث هنا علي النقطة الأخيرة من القائمة السابقة‏.‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة
أولا‏:‏ في تحريم أكل الميتة‏:‏
إن موت الحيوان قبل تذكيته قد يكون بسبب مرض من الأمراض العضوية أو الفيروسية التي ألمت به‏,‏ أو بسبب شيخوخة أصابته‏,‏ وهذا سبب كاف لتحريم أكل لحمه‏,‏ فإذا أضفنا إلي ذلك مايؤدي إليه الموت دون تذكية‏(‏ أي دون إراقة دمه‏)‏ الي احتباس كل دمه في جسده اتضحت لنا حكمة تحريم أكل لحم الميتة وذلك لأن الدم هو حامل فضلات الجسم المختلفة من مثل ثاني أكسيد الكربون‏,‏ واليوريا‏,‏ وحمض البوريك‏,‏ وجراثيم الجسم وطفيلياته‏,‏ ونواتج عمليات تمثيل الطعام في جسم الحيوان‏(‏ عمليات الأيض‏)‏ والتي تنقل عبر الأوردة وتفرعاتها المختلفة‏,‏ أو عبر الشرايين وتفرعاتها العديدة في جسم الحيوان‏,‏ وأغلبها مواد قابلة للتعفن والتحلل إذا حبست في الجسد الميت للحيوان‏,‏ خاصة إذا كان قد انقضي علي موته وقت يسمح ببدء تحلل جسده وفساد لحمه‏.‏ ومن هنا تتضح الحكمة الالهية من تحريم أكل لحوم الميتة‏.‏

ثانيا‏:‏ في تحريم أكل الدم المسفوح كطعام‏:‏
الدم هو هذا السائل الأحمر القاني الذي يتكون من أخلاط عديدة منها الخلايا الحمراء الممتلئة بمادة الهيموجلوبين التي تقوم بنقل الأكسجين إلي مختلف خلايا الجسم‏,‏ والخلايا البيضاء التي تدافع عن الجسم ضد غزو حاملات الأمراض من الجراثيم والطفيليات‏,‏ والصفائح التي تتحطم حول نزيف الدم من أجل تجلطه‏.‏ وتشكل خلايا الدم الحمراء نحو‏45%‏ من الحجم الكلي للدم‏(4‏ إلي‏6‏ ملايين خلية في كل ملليمتر مكعب‏),‏ ولايشكل كل من خلايا الدم البيضاء وصفائحه أكثر من‏1%,‏ وباقي الدم‏(54%)‏ يتكون من البلازما التي يغلب علي تركيبها الماء وبه نحو‏7%‏ من حجم الدم بروتينات‏(‏ من مثل الألبيومين‏,‏ والجلوبيولين‏,‏ والأجسام المضادة‏,‏ والبروتينات الناقلة‏,‏ والدهون‏,‏ وأيونات مختلفة للصوديوم‏,‏ والكالسيوم‏,‏ والبوتاسيوم‏,‏ والحديد‏,‏ والنحاس‏,‏ والكلور والبيكربونات‏,‏ وغيرها‏,‏ والفيتامينات‏,‏ والهرمونات‏,‏ والفضلات النيتروجينية التي تفرزها الخلايا مثل الأمونيا‏,‏ واليوريا‏,‏ وحمض اليوريك وهي سموم قاتلة يحملها الدم عادة الي الكلي للتخلص منها إلي خارج الجسم عن طريق البول‏.‏ هذا بالإضافة الي العديد من الغازات الحرة والمذابة في بلازما الدم‏,‏ والفيروسات‏,‏ والجراثيم‏,‏ والطفيليات الحية والميتة‏,‏ وخلايا متكسرة من خلايا الدم ذاته‏,‏ وغير ذلك من الخلاصات المفيدة للأغذية والأكسجين التي يدفع بها القلب مرة أخري‏,‏ الي مختلف خلايا الجسم‏.‏ ومن ذلك يتضح أن الدم سائل ناقل للأمراض الخطيرة مثل مرض نقص المناعة وهو مرض قاتل لاعلاج له ولا حيلة فيه وبالإضافة الي الدم هناك سوائل الجهاز الليمفاوي الذي ينتشر بين الأوعية الدموية في أوردة خاصة به بتفرعاتها المختلفة وتفيض إلي الأوردة الدموية الكبيرة بالقرب من القلب‏.‏

وبذلك تقوم هذه السوائل الليمفاوية بامتصاص البروتينات المتسربة من كل من الأوعية الدموية والأنسجة البينية‏,‏ وإعادتها الي مجري الدم في الوقت المناسب لتساعد علي الاتزان الكيميائي في داخل جسد الكائن الحي وإلا هلك‏.‏ ويعتبر ذلك من أهم وظائف الجهاز الليمفاوي‏.‏ والسائل الليمفاوي يتكون أساسا من البلازما وبعض المواد المذابة فيها‏,‏ والعالقة بها من مثل الخلايا البيضاء‏,‏ والليمفاويات‏(Lymphocytes)‏ التي تعتبر من أهم أجهزة الجسم الدفاعية ضد حاملات الأمراض‏.‏ وبالإضافة الي ذلك هناك العقد الليمفاوية‏(LymphNodes)‏ وهي كتل من النسيج الليمفاوي توجد علي طول الأوعية الليمفاوية بتفرعاتها المختلفة‏,‏ كما توجد مستقلة عنها في كل من اللوزتين‏(Tonsils),‏ وعقد البلعوم الليمفاوية‏,‏ والغدد الليمفاوية بالقناة الهضمية‏,‏ والغدد التوتية أو الزعترية‏(Thymus),‏ والطحال‏.‏
والوظيفة الأساسية للغدد الليمفاوية هي الدفاع عن الجسم وذلك لاحتوائها علي مجاميع كبيرة من الخلايا الليمفاوية‏(‏ الليمفاويات‏),‏ وتقوم هذه الخلايا المتجمعة علي هيئة الغدد بالعمل كمرشحات للغازات والسوائل التي تدخل الجسم تلتقط منها الملوثات من مثل ذرات الغبار والفيروسات والبكتريا وغيرها من حاملات الأمراض ويتم خزنها فيها حتي يتم إفراز الأجسام المضادة للقضاء عليها‏.‏

ومن العمليات التي يقوم بها الدم في الكبد نزع مجموعة الأمين‏(NH2)‏ من الأحماض الأمينية فينتج عن ذلك فضلات نيتروجينية كالتي سبق ذكرها يحملها دم الأوردة الي الكلي للتخلص منها‏.‏ كذلك تقوم الكلي وملحقاتها بتحقيق التوازن الكيميائي للجسم‏,‏ والتخلص من الفضلات الناتجة عن عمليات التمثيل الغذائي‏,‏ ويلعب الدم الدور الرئيسي في ذلك‏.‏
وانطلاقا مما سبق نري أن الدم المسفوح بمكوناته الأساسية‏,‏ وبما يحمله من نواتج عملية التمثيل الغذائي ومن عوادم وفضلات متجمعة فيه إذا حبس بداخل جسم الحيوان الميت‏(‏ أي الذي لم يذك‏)‏ فإنه سرعان مايبدأ في التجلط علي مافيه من سموم كانت في طريقها إلي الأجهزة المختلفة التي تخلص الجسم منها‏,‏ ثم في التحلل والتعفن مما ينتج كما من السموم المعقدة‏,‏ والمركبات الكيميائية الأخري الضارة بصحة الإنسان‏;‏ فإذا أضفنا الي ذلك أن الدم عادة مايحمل كما آخر من الفيروسات والجراثيم والطفيليات‏,‏ وماتفرزه من سموم ونفايات علمنا أن الدم هو حامل فضلات الجسم وجراثيمه وطفيلياته‏,‏ ومن هنا كانت الحكمة الإلهية في تحريم أكل الدم المسفوح كغذاء‏.‏ أما أكل كل من الكبد والطحال من الحيوان المذكي فهو حلال وذلك لقول رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏
أحل لنا ميتتان ودمان‏,‏ فأما الميتتان فالسمك والجراد‏,‏ وأما الدمان فالكبد والطحال‏(‏ رواه كل من أحمد‏,‏ وابن ماجه‏,‏ والبيهقي عن ابن عمر مرفوعا‏).‏

ثالثا‏:‏ في تحريم أكل لحم الخنزير وشحمه‏:‏
الخنزير وصفه القرآن الكريم في أكثر من مقام بأنه رجس‏,(‏ البقرة‏:173;‏ المائدة‏:3;‏ الأنعام‏:145;‏ والنحل‏:115)‏ وهذه كلمة جامعة لكل معاني القذارة والقبح‏,‏ والنجاسة‏,‏ والإثم‏,‏ وذلك لأن الخنزير حيوان كسول‏,‏ جشع‏,‏ قذر‏,‏ رمام‏,‏ يأكل النبات والحيوان والجيف‏,‏ والقمامة‏,‏ كما يأكل فضلاته هو وفضلات غيره من الحيوانات‏,‏ وهذا من أسباب قيامه بدور كبير في نقل العديد من الأمراض الخطيرة للإنسان‏.‏
والخنزير من الحيوانات الثديية السرية‏(PlacentalMammals)‏ ذات الحافر المشقوق الذي يحمل عددا زوجيا من الأصابع‏(‏ أربعة أصابع في حالة الخنازير‏)‏ ولذلك تعرف باسم الحافريات زوجية الأصابع‏.‏
‏(Even-ToedUngulates=Artiodactyla)‏

وهذه الحافريات زوجية الأصابع قد عمرت الأرض خلال الخمسين مليون سنة الماضية‏(‏ من بدايات عهد فجر الحياة الحديثة أو الإيوسين إلي اليوم‏).‏
والخنازير تنفصل عن بقية هذه المجموعة بكونها رمامة وغير مجترة‏.‏

وتضم الخنازير عددا من الأنواع البرية والمستأنسة والتي تجمع كلها في عائلة واحدة تعرف باسم عائلة الخنازير‏(Suidae),‏ ويسمي الذكر منها باسم العفر‏Boar,‏ وتسمي الأنثي باسم الخنزيرة‏Sow‏ وهي من النوع الولود‏,‏ والخنزير المخصي يعرف باسم الحلوف‏Hog,‏ ويستعار اللفظ وصفا لكل قذر‏,‏ شره‏,‏ أناني من البشر‏,‏ وتستخدم لفظة‏Swine‏ للتعبير عن الخنزير بصفة عامة سواء كان ذكرا أو أنثي‏,‏ مخصيا أو غير مخصي‏,‏ مستأنسا أو غير مستأنس وتستعار كذلك لكل حقير النفس‏,‏ بخيل اليد‏,‏ قذر المظهر والملبس‏,‏ متصف بأحقر الصفات‏,‏ أو للمرأة الساقطة المجردة من كل فضيلة‏.‏
والخنزير حيوان كريه المنظر‏,‏ ضخم الجثة‏,‏ كتلي الشكل‏,‏ مكتنز اللحم‏,‏ قصير الأرجل‏,‏ له جلد سميك‏,‏ عليه شعر خشن‏,‏ وله بوز طويل وأنياب قوية‏,‏ تم استئناسه منذ حوالي‏11000‏ سنة مضت‏,‏ ويعرف منه اليوم أكثر من أربعمائة سلالة‏.‏
ونظرا لطبيعته الرمامة‏,‏ وقذارته الواضحة‏,‏ وأكله كلا من النباتات واللحوم و الجيف والنفايات وغير ذلك من المستقذرات فإن الخنزير معرض للإصابة بالعديد من الأمراض من أمثال حمرة الخنازير‏SwineErysipelas‏ التي تتسبب فيها أنواع خاصة من البكتريا وتنتقل الي الإنسان‏,‏ وحمي الخنازير‏SwineFever‏ وتعرف أحيانا باسم كوليرا الحلاليف‏Hogcholera‏ ويتسبب في هذا المرض فيروس خاص يوجد في الجيف‏,‏ ومن مثل مرض حويصلات الخنازير‏SwineVesicularDisease‏ وهو يشبه مرض الحمي القلاعية‏FootandMouthDisease‏ ويمكن انتقاله إلي الإنسان عن طريق أكل لحوم الخنزير ودهونه‏,‏ ومن مسبباته فيروسات القمامة والجيف‏.‏ والجراثيم‏(‏ الفيروسات والبكتيريا وغيرها‏)‏ هذا بالإضافة إلي العديد من المواد المسببة للسرطان والعديد من الطفيليات والجراثيم التي تعشش في لحم الخنزير وبعضها يتسبب في أمراض معدية للإنسان وقاتلة له في كثير من الأحيان وذلك لعدم وجود طريقة للتخلص منها علي الإطلاق‏.‏ ومن أخطر مسببات الأمراض في الخنزير مايلي‏:‏

‏(1)‏ ديدان التريخينا‏TrichinaWorms‏ وهي من الديدان الإسطوانية‏Nematoda=RoundWorns‏ من أمثال الدودة الشعرية الحلزونية‏Trichinellaspiralis‏ وهي من أخطر الطفيليات علي الإنسان وتتسبب في أمراض روماتيزمية عديدة وإلتهابات عضلية مؤلمة تؤدي الي انتفاخ الأنسجة العضلية وتصلبها وتعرف باسم داء الشعرينات‏Trichinellosis‏ الذي ينتج عن انتشار يرقات هذه الدودة في عضلات الجسم مما قد يؤدي الي اقعاد المريض إقعادا كاملا أو إلي وفاته بعد أن يصاب بالتهاب المخ والنخاع الشوكي والسحايا المحيطة بهما وبالعديد من الأمراض العصبية والعقلية المترتبة علي ذلك ويصاب حاليا بهذا المرض نحو‏47‏ مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها‏,‏ ونسبة الوفاة بين المصابين به تبلغ نحو‏30%,‏ والخنزير هو المصدر الوحيد لإصابة الإنسان بهذا المرض الخطير‏.‏
‏(2)‏ الدودة الشــــــريطية الوحــــــيدة للخــــــــنزير‏PorkTapeWorm=TaeniaSolium‏ وتتسبب في العديد من الأمراض للإنسان من مثل فقر الدم واضطرابات الجهاز الهضمي‏,‏ والمغص والإسهال والقيء‏,‏ والاكتئاب الشديد‏,‏ والسوداوية‏,‏ وقد يصل ذلك إلي النوبات الصرعية والتشنجات العصبية الشديدة‏,‏ وأخطر ما في هذه الدودة هو دخول يرقاتها إلي مجري الدم الذي قد يحملها إلي أحد الأعضاء الحيوية في الجسم من مثل المخ‏,‏ القلب‏,‏ الكبد‏,‏ الرئتين أو الحبل العصبي المركزي حيث تنمو وتتحوصل محدثة ضغوطا كبيرة علي الأنظمة من حولها ومسببة عددا من الأمراض الخطيرة التي تنتهي بوفاة المريض بعد معاناة طويلة‏.‏

‏(3)‏ الديدان الحلقية‏RoundWorms‏ من مثل دودة الأسكارس‏Ascaris,‏ والديدان الخطافية‏HookWorms,‏ الديدان المنشقة اليابانية‏.Schistosomajaponicum‏ والتي تؤدي إلي نزيف دموي حاد‏,‏ يعقبه فقر دم‏,‏ وإذا وصلت بويضاتها إلي أي من المخ أو العمود الفقري فإنها تسبب شللا كاملا ثم الوفاة‏.‏ وغير ذلك من سلسلة طويلة من الديدان والجراثيم والبكتيريا التي تدمر جسد الإنسان تدميرا كاملا منها التهاب القصبة الهوائية‏,‏ والسل‏,‏ والكوليرا‏,‏ والتيفوئيد‏,‏ ونزيف الرئتين‏,‏ وتضخم الكبد‏,‏ وتعفن الأقدام‏,‏ وداء البروسيللات‏Brucellosis,‏ والحمرة‏Erysipelas‏ والأمراض الثلاثة الأخيرة تنقلها بكتيريا الجيف والقاذورات التي تتغذي عليها الخنازير‏.‏
‏(4)‏ الحيوان الأولي الهدبي المعروف باسم القربية القولونية‏Balantidiumcoli‏ الذي يسبب مرض الزحار الشديد وبعض أمراض عضلة القلب ومصدره الوحيد للإنسان هو الخنزير‏,‏ وهو مرض معدي ينتشر بين كل من له علاقة بتربية الخنزير أو ذبحه وسلخه‏.‏

‏(5)‏ الديدان المفلطحة‏(‏ المثقوبيات أو الوشائع‏)‏ ومنها مايصيب الأمعاء‏,‏ أو المعدة‏,‏ أو الرئة‏,‏ أو الكبد‏,‏ ويعمل الخنزير علي نشر هذه الديدان في البيئة وعلي نقلها لمن يأكل لحمه من بني الإنسان‏.‏
هذا بالإضافة إلي أن لحم الخنزير صعب الهضم لاحتوائه علي نسبة أعلي من الدهون من لحم أي حيوان آخر‏,‏ وكذلك فإن دهن الخنزير عالي التشبع بدرجة تفوق درجة تشبع أي دهن حيواني آخر‏,‏ ولذلك يصاب آكلوه بأمراض حصي المرارة‏,‏ وانسداد قنواتها وبتصلب الشرايين وبالعديد غيرها من أمراض القلب والدورة الدموية‏.‏ ومعظم الفقهاء يعتبر لفظة لحم الخنزير شاملة كلا من لحمه ودهنه‏.‏

ودهون الخنزير عالية التشبع لاتقوي عصارة البنكرياس في الإنسان علي تحويلها إلي مستحلبات دهنية قابلة للامتصاص ولذلك فهي تبقي علي حالتها وتترسب في جسم الإنسان علي هيئتها الخنزيرية الضارة ضررا بليغا بجسم الإنسان‏.‏
ولحم الخنزير يفسد بسرعة عن أي لحم آخر‏,‏ وله رائحة كريهة‏,‏ ومن عجائب وساوس الشيطان أنه لم يكتف باغراء غير المسلمين بأكل لحم الخنزير علي دنسه‏,‏ وامتلائه بمسببات الأمراض‏,‏ بل أغراهم بأكل دمه ودهنه فيما يعرف باسم النقانق السوداء‏BlackSausages‏ وهي عبارة عن أمعاء الخنزير المملوءة بدمه ودهنه حتي تجمع بين أكثر من محرم واحد‏.‏ وقد ثبت أن لحم الخنزير يحتوي العديد من المواد المسرطنة ومنها المواد المسماة‏Nieper‏ و‏Enderlein,‏ وأن كثيرا من المواد الحافظة للحم الخنزير والملونة له والمعطية النكهات الخاصة له مثل المركبات النيتروجينية‏NitritesandNitrates‏ والبنزولية‏Benzol‏ تتحول في أبدان آكلي هذا اللحم النجس إلي مركبات معقدة تعتبر من أشد العوامل المسرطنة المعروفة‏,‏ وعلي ذلك فقد ثبت أن كلا من لحم الخنزير ودهنه ودمه يساعد علي انتشار أنواع عديدة من الأمراض السرطانية من مثل سرطان كل من القولون‏,‏ والمستقيم‏,‏ والبروتستات والبنكرياس والمرارة‏,‏والرحم‏,‏ والثدي‏,‏ وإلي العديد من أمراض الحساسية المختلفة‏,‏ وقرح الجهاز الهضمي‏,‏ وقرح الساق المزمنة‏,‏ والتهاب كل من الزائدة الدودية والمرارة‏,‏ وتليف الكبد‏,‏ والتهاب كل من الدماغ
وعضلة القلب‏,‏ وأغلب ذلك من الأمراض الفيروسية التي يلعب الخنزير دورا رئيسيا في نقلها للإنسان‏.‏
أما أهم الأمراض البكتيرية التي ينقلها الخنزير إلي الإنسان فتشمل الحمي المالطية‏,‏ السالمونيللا‏,‏ الجمرة الخبيثة‏,‏ الدرن‏,‏ الدرن الكاذب‏,‏ والدوسنتاريا‏(‏ الزحار‏).‏
وأغلب هذه الفيروسات‏,‏ والبكتيريا‏,‏ والطفيليات التي تتكدس في جسم الخنزير لايمكن القضاء عليها بمجرد طهو لحمه أو إدخاله في النار‏.‏

رابعا‏:‏ في تحريم أكل ما أهل لغير الله به‏:‏
كان أهل الجاهلية إذا أرادوا ذبح ماقربوه إلي أصنامهم سموا عليها أسماءها‏,‏ ورفعوا بها أصواتهم‏,‏ وسمي ذلك إهلالا‏,‏ ثم توسع في الإهلال فقيل لكل ذابح‏:‏ مهل سواء أهل به أو لم يهل‏,‏ وسمي أو لم يسم‏,‏ جهر بالتسمية أو لم يجهر‏,‏ لأن الأصل في الإهلال هو رفع الصوت عند رؤية الهلال‏,‏ ثم استعمل لرفع الصوت عند فجائية ظهور أي شيء ثم أصبح مطلقا وعلي ذلك فإن المفهوم من قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):(...‏ وما أهل لغير الله به‏...)‏ أي ماذبح لغير الله‏.‏
وقد أكد ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في الآية الكريمة التي نحن بصددها وفي أماكن أخري من القرآن الكريم أهمية ذكر اسم الله علي كل ذبيحة من ذبائح المسلمين وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏
‏(1)...‏ واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب‏*(‏ المائدة‏:4).‏

‏(2)‏ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين‏*‏ ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ماحرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه‏...*(‏ الأنعام‏:119,118).‏
‏(3)‏ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف‏..*‏
‏(‏ الحج‏:36).‏

وفي بحث مختبري منهجي أثبت عشرون من كبار علماء الطب والطب البيطري والصيدلة والعلوم في الجامعات السورية أن التسمية والتكبير عند ذبح الحيوان تعمل عملية تعقيم كامل لبدنه وتطهره من الدماء والجراثيم‏,‏ بعكس الذبائح التي لايذكر اسم الله عليها‏.‏
وفي ذلك ذكر الأخ الكريم الدكتور خالد حلاوة المتحدث باسم فريق البحث أن التجارب المختبرية المكررة علي مدي ثلاث سنوات أثبتت مجهريا أن نسيج اللحم المذبوح بدون تسمية وتكبير كان محتقنا بشيء من بقايا الدم المسفوح‏,‏ ومصابا بمستعمرات عدد من الجراثيم‏(‏ من مثل المكورات العنقودية والعقدية والعصيان القولونية‏,‏ وغيرها‏),‏ بينما جاء اللحم المسمي عليه‏(‏ باسم الله‏,‏ الله أكبر‏)‏ زكيا طاهرا‏,‏ خاليا تماما من الدماء والجراثيم‏.‏

وفسر ذلك الأخ الكريم الدكتور فؤاد نعمة الأستاذ بكلية الطب البيطري بجامعة دمشق بأنه لوحظ شدة اختلاج أعضاء وعضلات الحيوان الذي يذكر عليه اسم الله عند ذبحه‏,‏ وأن شدة الاختلاج هذه هي التي تقوم باعتصار معظم دم الذبيحة‏,‏ وبذلك تطهر وتزكو بينما لايحدث ذلك في حالات عدم التسمية والتكبير‏,‏ وإن كانت التذكية بمعني إراقة الدم المسفوح تخلص بدن الحيوان من معظم هذا السائل القابل للتعفن ومن معظم مابه من جراثيم‏.‏
وقد فصل الأخ الكريم الدكتور نبيل الشريف العميد السابق لكلية الصيدلة بجامعة دمشق الخطوات المنهجية للبحث حتي توصل إلي هذه النتيجة التي تفوق كل وصف‏.‏

من هذا الاستعراض الموجز يتضح لنا بجلاء حكمة تحريم أكل كل من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ ولو لم يرد في القرآن الكريم غير هذه الحقيقة العلمية لكانت كافية للشهادة علي أن القرآن المجيد هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ حفظا كاملا‏:‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفا حرفا‏,‏ علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وإلي أن يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقي القرآن المبين كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي اله وصحبه‏,‏ و من اتبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته الي يوم الدين‏.‏ وسبحان الله القائل‏:‏
وماكان هذا القرآن أن يفتري من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين‏*‏ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وأدعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين‏.‏ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين‏.(‏ يونس‏:37‏ ـ‏39)‏

Thursday, 14 April 2011

حكم الإحداد على الملوك والزعماء

Thursday, 14 April 2011 0
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فقد جرت عادة الكثير من الدول الإسلامية في هذا العصر بالأمر بالإحداد على من يموت من الملوك والزعماء لمدة ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر مع تعطيل الدوائر الحكومية وتنكيس الأعلام، ولا شك أن هذا العمل مخالف للشريعة المحمدية، وفيه تشبه بأعداء الإسلام، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عن الإحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا، كما جاءت الرخصة عنه صلى الله عليه وسلم للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقل، أما ما سوى ذلك من الإحداد فهو ممنوع شرعاً وليس في الشريعة الكاملة ما يجيزه على ملكٍ أو زعيمٍ أو غيرهما، وقد مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم وبناته الثلاث وأعيان آخرون فلم يحد عليهم عليه الصلاة والسلام، وقتل في زمانه أمراء جيش مؤتة: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم فلم يحد عليهم، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيد ولد آدم، والمصيبة بموته أعظم المصايب ولم يحد عليه الصحابة رضي الله عنهم، ثم مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو أفضل الصحابة، وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحدوا عليه، ثم قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم، وهكذا مات الصحابة جميعا فلم يحد عليهم التابعون، وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من علماء التابعين ومن بعدهم؛ كسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين زين العابدين، وابنه محمد بن علي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، والإمام أبي حنيفة، وصاحبيه، والإمام مالك بن أنس، والأوزاعي والثوري، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة العلم والهدى فلم يحد عليهم المسلمون، ولو كان خيرا لكان السلف الصالح إليه أسبق، والخير كله في اتباعهم والشر كله في مخالفتهم وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أسلفنا ذكرها على أن ما فعله سلفنا الصالح من ترك الإحداد على غير الأزواج هو الحق والصواب، وأن ما يفعله الناس اليوم من الإحداد على الملوك والزعماء أمر مخالف للشريعة المطهرة مع ما يترتب عليه من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح والتشبه بأعداء الإسلام، وبذلك يعلم أن الواجب على قادة المسلمين وأعيانهم: ترك هذا الإحداد، والسير على نهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم، والواجب على أهل العلم: تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة، وتعاونا على البر والتقوى. ولما أوجب الله سبحانه من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم رأيت تحرير هذه الكلمة الموجزة.
وأسأل الله عز وجل أن يوفق قادة المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه والتمسك بشريعته والحذر مما خالفها، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا إنه سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه.

مصدر: بن باز 

Wednesday, 13 April 2011

عندما يتزوج جنيُّ فتاة هل من الممكن أن يفقدها عذريتها؟

Wednesday, 13 April 2011 0
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن تَلَبُّس الجن بالإنس أمرٌ واقعٌ ومحسوسٌ، لا ينكره إلا مكابر، وكذلك جماع الجني للإنسية ممكن؛ لقدرة الجن على التَّشَكُّل بصورة البشر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): "وصَرعُهُم للإنس قد يكون عن شهوةٍ وهوى وعشقٍ، كما يتَّفِقُ للإنس مع الإنس".

وأما فض البكارة فإنه ممكن أيضا؛ لأنه إذا أمكنه جماع الإنسية، فيعقل أنه ربما تُفْتَض بكارتها حينئذٍ، ولكن إن ادَّعت المرأة ذلك لا تُصَدَّق، وكذلك إذا وُجِدَت ‏حامِلاً وزعمت إنها حامل من زوجها الجني؛ حتى لا يَكْثُرُ الفساد.

وننبه الأخت السائلة إلى أنه لا يجوز شرعاً زواج الإنسيِّ بجنية أو العكس؛ لقوله تعالى: {
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:128]، والتزوج بين الإنس والجن نوع من الاستمتاع، ولأن الله تعالى جعل الزوج من جنس ما يُؤلَف فقال سبحانه: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [الروم:21] يعني سبحانه من جنسكم ونوعكم وعلى خلقكم، ولمفهوم قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل:72].

قال السيوطي في (‏الأشباه والنظائر): "الذي أعتقده التحريم"، ثم قال: "فروي المنع منه عن الحسن البصري، وقتادة، والحكم بن عتيبة، ‏وإسحاق بن راهويه".

وقال الجمال السجستاني -من علماء الحنفية- في كتاب (منية المغني عن الفتاوى السراجية): "لا يجوز المُنَاكَحَة بين الإنس والجن، وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس"، ‏وذكر وجوهاً أخرى للمنع منها: "أن النكاح شرع للألفة، والسكون، والاستئناس، ‏والمودة، وذلك مفقود في الجن.

ومنها: أنه لم يرد الإذن من الشَّرع في ذلك؛ فإن الله تعالى قال: {
فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:3]، والنساء اسم لإناث بني آدم خاصة، فبقي ما عداهن على ‏التحريم؛ لأن الأصل في الأبضاع الحُرْمَةِ حتى يرد دليل على الحل.

ومنها: أنه قد مُنع من ‏نكاح الحر للأمة، لما يحصل للولد من الضرر بالإرقاق، ولا شك أن الضرر بكونه من جنية ‏وفيه شائبة من الجن خَلقاً وخُلقاً، وله بهم اتصال ومخالطة أشد من ضرر الإرقاق الذي هو ‏مرجو الزوال بكثير"، ثم قال: "وإذا تَقَرَّر المنع، فالمنع من نكاح الجني الأنسية أولى وأحرى".‏انتهى باختصار.

وقال في (أضواء البيان): "قال الماوردي بخصوص المُناكحة بين بني ‏آدم والجن:‏ وهذا مُسْتَنْكَرٌ للعقول، لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، إذ الآدمي جسماني، والجني ‏روحاني، وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارجٍ من نار، والامتزاج مع هذا التَّبَايُن ‏مدفوع، والتناسل مع الاختلاف ممنوع".

هذا مع ما تقدَّم ذكره من سدِّ الذريعة إلى الفساد، فقد تتذرَّع المرأة الفاجرة بأن الحمل من جني، لتدرأ عن نفسها العقوبة،، والله أعلم.
 
 

Tuesday, 5 April 2011

سئل عن قوله تعالى: {إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}

Tuesday, 5 April 2011 0
ما تقول السادة أئمة المسلمين أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏40‏]‏، فإن كان المخاطب موجوداً، فتحصيل الحاصل محال، وإن كان معدوماً فكيف يتصور خطاب المعدوم‏؟‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏، فإن كانت اللام للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك، وإن كانت اللام للغرض لزم ألا يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته، وليس كذلك، فكيف التخلص من هذا المضيق‏؟‏

وفيما ورد من الأخبار والآيات بالرضاء بقضاء الله تعالى، وفي قوله صلى الله عليه وسلم
"جف القلم بما هو كائن"‏‏، وفي معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏}‏‏ ‏[‏غافر‏:‏60‏]‏، فإن كان الدعاء أيضاً بما هو كائن، فما فائدة الأمر به ولابد من وقوعه‏؟‏ ‏.‏

فأجاب شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله ‏:‏

الحمد لله رب العالمين‏.‏

أما المسألة الأولى فهي مبنية على أصلين‏:‏

أحدهما‏:‏ الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلاً من المخاطب، بل هو الذي يكون المخاطب به ويخلقه بدون فعل من المخاطب أو قدرة أو إرادة أو وجود له، وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلاً أو تركاً يفعله بقدرة وإرادة وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس، هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده‏؟‏ ولا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به حكم الخطاب إلا بعد وجوده‏.

‏‏ وكذلك تنازعوا في الأول، هل هو خطاب حقيقي‏؟‏ أم هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة‏؟‏ والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة‏.‏

والأصل الثاني‏:‏ أن المعدوم في حال عدمه، هل هو شىء أم لا‏؟‏ فإنه قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شىء في الخارج، وذات وعين، وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة، وأن وجودها زائد على حقيقتها، وكذلك ذهب إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة‏.

‏‏ والذي عليه جماهير الناس، وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة، أنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلاً ولا ذات ولا عين، وأنه ليس في الخارج شيئان‏:‏ أحدهما حقيقته، والآخر وجوده الزائد على حقيقته، فإن الله أبدع الذوات التي هي الماهيات، فكل ما سواه سبحانه فهو مخلوق ومجعول ومبدع ومبدوء له سبحانه وتعالى لكن في هؤلاء من يقول‏:‏ المعدوم ليس بشيء أصلا، وإنما سمى شيئاً باعتبار ثبوته في العلم فكان مجازاً‏.‏

ومنهم من يقول‏:‏ لا ريب أن له ثبوتاً في العلم، ووجوداً فيه، فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شىء وذات، وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت، كما فرق من قال‏:‏ المعدوم شىء، ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع، كما فرق أولئك؛ إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء، وإنما النزاع في الممكن‏.

‏‏ وعمدة من جعله شيئاً إنما هو لأنه ثابت في العلم، وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه، وغير ذلك قالوا‏:‏ وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض، فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمي زالت الشبهة في هذا الباب‏.

‏‏ وقوله تعالى‏:‏‏‏ ‏[‏النحل‏:‏40‏]‏‏.‏ ذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إلي، وبذلكك كان مقدراً مقضياً، فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو
"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة‏"‏‏، وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "كان الله ولم يكن شىء معه وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شىء، ثم خلق السموات والأرض‏"‏‏، وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏ ‏‏"أول ما خلق الله القلم، فقال له‏:‏ اكتب، فقال‏:‏ ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ ما هو كائن إلى يوم القيامة"‏‏‏.‏

إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوماً مخبراً عنه مكتوباً، فهو شىء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي، وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتاً في الخارج، بل هو عدم محض، ونفي صرف، وهذه المراتب الأربعة المشهورة للموجودات، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في أول سورة أنزلها على نبيه في قوله‏:‏ ‏{
‏‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏.‏ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ‏.‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏.‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏.‏ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏‏ ‏[‏العلق‏:‏1-5‏]‏، وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع‏.

‏‏ وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة وتعلقت به القدرة وخلق وكون، كما قال‏:‏‏{
‏‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏40‏]‏، فالذي يقال له‏:‏ كن هو الذي يراد، وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت وتميز في العلم والتقدير، ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره، وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم.

فإن قول السائل‏:‏ إن كان المخاطب موجوداً، فتحصيل الحاصل محال‏.

يقال له ‏:‏هذا إذا كان موجوداً في الخارج وجوده الذي هو وجوده، ولا ريب أن المعدوم ليس موجوداً، ولا هو في نفسه ثابت، وأما ما علم وأريد وكان شيئاً في العلم والإرادة والتقدير، فليس وجوده في الخارج محالاً، بل جميع المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة‏.

وقول السائل‏:‏ إن كان معدوماً فكيف يتصور خطاب المعدوم‏؟‏‏!‏

يقال له‏:‏ أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم في الخطاب بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال؛ إذ من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل، والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه، بمعنى أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل، وكذلك أيضاً يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج خطاب تكوين، بمعنى أن يعتقد أنه شىء ثابت في الخارج، وأنه يخاطب بأن يكون‏.

‏‏ وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل توجيه الإرادة إليه، فليس ذلك محالاً، بل هو أمر ممكن، بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه فيقدر أمرا في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب الذي قدره في نفسه، ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته، فإن كان قادراً على حصوله، حصل مع الإرادة والطلب الجازم، وإن كان عاجزا لم يحصل، وقد يقول الإنسان‏:‏ ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب، فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه، والله سبحانه على كل شىء قدير، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - المجلد الثامن.

Tuesday, 15 March 2011

هل تعـلـم

Tuesday, 15 March 2011 0
ـ أن أقصر رجل في العالم هو الهندي (جول) إذ أنه لا يتجاوز طوله أكثر من إثنين و ستين سنتيمترا


ـ أن المنجم المسمى ( سيبرابيلاد) الذي إكتشف في البرازيل أنتج أضخم سبيكة ذهب إذ بلغ وزنها ٦٠٠ كيلو غرام دفعة واحدة


ـ أن ضوء الشمس يصل إلى الأرض في ٨ دقائق


ـ أن تونس هي أكبر دولة من حيث إنتاج الزيتون


ـ أن نابليون بونابرت كان يقضي وقت فراغه في حل الألغاز


ـ أن أول من وضع صورة على العملة هو الإسكندر المقدوني



ـ أن المشوار الذي يقطعه الدم في مجراه كل يوم يبلغ ١٦٨ مليون ميل



ـ أن القلب يخفق في اليوم أكثر من ١٠٣ خفقة



ـ أن عملة ( اليورو) هي العملة الموحدة بين كل دول أروبا



ـ أن أكبر لؤلؤة في العالم هي التي عثر عليها صيادو اللؤلؤ أمام سواحل كاليفورنيا عام ١٩٦٠ ، وتزن ٣٤٩٫٥ قيراط ، وقد عرضت للبيع ، وإشتراها ثري يوناني بمبلغ ٣ مليون دولار



ـ أن الصينيون هم الذين إخترعوا البوصلة ، ونقلوها بعد ذلك إلى البحارة العرب ، الذين كانوا يجوبون شمال المحيط الأطلسي وقد قام أهل البندوقية بجلب البوصلة بعد أسفارهم التجارية إلى بلاد المشرق



ـ أن نافورة الماء التي تدفع من رأس الحوت فوق جمجمته يصل إرتفاعها أحيانا إلى ٩ أمتار



ـ أن الحوت الأزرق هو أكبر حيوان على الكرة الأرضية



ـ أن الحيتان الزرقاء تستطيع التخاطب بواسطة غنائها على مسافة٨٥٠ كم



ـ أن العالم الرياضي (إسحاق نيوتن) قد ابتكر المتوالتةالعددية وهو في الصف الثالث الإبتدائي



ـ أن طول أطول ذيل فستان زفاف في العالم هو ٨٠ مترا . وقد إرتدته إحدى الممثلات في أحدالأفلام الأجنبية



ـ أن وزن الفيل يصل إلى ٥ أطنان ومع ذلك تصل سرعته إلى ٤٠ كم / الساعة



ـ هل تعرف أن المياه يمكن أن تستخدم كأداة قطع و تكون أفضل من أي سلاح حاد



ـ هل تعلم أن وزن الطن من الحديد بعد أن يصدأ تماما يصبح ثلاثة أطنان



ـ أن غصن الزيتون يرمز إلى السلام ، ويكثر شجر الزيتون في بلاد حوض البحر المتوسط ، وأن شجر الزيتون تعمر ٢٠٠ سنة


وللمزيد...إقرأ هنا

Tuesday, 8 March 2011

كل شيء موزون

Tuesday, 8 March 2011 0

(وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) 

فيما يلي بعض الحقائق في علم التوازن البيئي وكيف أخبر بذلك القرآن الكريم في آيات رائعة تشهد على إعجازه في عصرنا هذا، لنقرأ.....
في الأيام الأخيرة كثُر الاهتمام بشؤون البيئة، وأدرك العلماء أهمية التوازن البيئي وأثره على حياة الكائنات من نبات وحيوان وإنسان، وبشكل خاص بعد الكميات الضخمة من الملوثات والتي أفرزتها حضارة القرن العشرين.
فقبل عدة عقود لم يكن هنالك تلوث يُذكر، ولكن في السنوات الماضية زاد عدد المصانع في العالم وزاد عدد وسائل النقل وهذه تنتج كميات ضخمة من المواد الملوثة والتي تسبب أمراضاً خطيرة أهمها السرطان.
هذا التلوث أثر بشكل كبير على الكائنات المائية كالأسماك، وكذلك على الحيوانات وكذلك على النباتات. ولكن من فضل الله تعالى ورحمته بخلقه أنه أودع في هذه النباتات وسائل لتنقية الهواء من المواد السامة.
فكما نعلم تستهلك النباتات لصنع غذائها وثمارها غاز الكربون من الهواء، وتجري في داخلها عملية تسمى بالتركيب الضوئي تركب من خلالها المادة الخضراء والتي يركب منها النبات الحبّ والثمار.
بنتيجة هذه العملية يطلق النبات الأكسجين الذي يستفيد منه الإنسان في عملية التنفُّس. والعجيب أن كمية النباتات على وجه الأرض مناسبة لحجم الغلاف الجوي.
هنالك توازن دقيق بين ما يأخذه الإنسان وبين ما يطلقه النبات من الأكسجين. وتوازن آخر بين ما يطلقه الإنسان من غاز الكربون وبين ما يأحذه النبات من هذا الغاز. وسبحان الله! هذا التوازن الدقيق تحدث عنه القرآن في عصرٍ لم يكن هنالك أي علم عن توازن البيئة. يقول تعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) [الحجر: 19].
وانظر معي إلى دقة ألفاظ القرآن وتعابيره العلمية، وهذا يدل على أن هنالك ميزاناً لنسب النباتات على الأرض، ونسبة ما تمتصه من الكربون ونسبة ما تطلقه من الأكسجين. وهذه النسب قاسها العلماء حديثاً بكل دقة. وعلى سبيل المثال فإن نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي هي (21) بالمئة تقريباً. ولو زادت هذه النسبة لاحترقت الأرض مع أول شرارة، ولو نقصت هذه النسبة قليلاً لماتت الكائنات اختناقاً !
أما نسبة غاز الكربون في الغلاف الجوي فهي أقل من (1) بالمئة. ولو زادت هذه النسبة لتسمَّمَ البشر وماتوا جميعاً، ولو نقصت لماتت النباتات وتوقفت الحياة. لذلك هنالك توازن دقيق في هذه النباتات وهذا ما تحدث عنه القرآن: ولكن عندما ندخل إلى كل خلية من خلايا أي نبات أخضر على وجه الأرض، ماذا نشاهد؟ إننا نشاهد تركيباً مستمراً للمادة الخضراء. ومن هذه المادة تخرج الحبوب والثمار وهنا نجد للقرآن العظيم حديثاً أيضاً عن هذه العمليات الدقيقة: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: 99]. فقد أكد القرآن أن تشكل المادة الخضراء يتم أولاً ثم يتم إخراج الثمار والحبوب منها. وهذا ما أثبتته الأبحاث الحديثة. 
 إن كل قطرة ماء تتدفق في هذه الأرض تشهد على قدرة صانعها عز وجل، إنه الله الذي خلق كل شيء بتوازن دقيق، ولو اختل هذا التوازن لاختلت الحياة. وربما نعيش اليوم بداية اختلال هذا التوازن بعدما لوَّث الإنسان الأرض وأصبحنا نسمع بما يسمى بالاحتباس الحراري، نسأل الله تعالى أن ينجينا من شر هذه التغيرات المناخية، وأن يختم لنا على خير.
ونتساءل: هل قام محمد صلى الله عليه وسلم وهو النبي الأمي بدراسة تركيب النبات وفحصه بالمجاهر الإلكترونية؟ وما الذي يدعو هذا الرسول الكريم للدخول في هذه القضايا العلمية التخصصية الدقيقة؟ إن المصدر الذي تلقى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العلوم هو الله تعالى الذي خاطب البشر جميعاً وأكد لهم أنه هو الذي علَّمه هذا العلم.
إن القرآن تحدث عن علم النبات في العديد من آياته، ويكفي أن نعلم بأن القرآن هو أول كتاب قرر وجود الأزواج في عالم النبات قبل العلم الحديث بقرون طويلة. يقول سبحانه وتعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) [يس: 36]. وقال أيضاً: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) [الزخرف:12].
وأقول للملحدين: هل يمكن لإنسان أمي يعيش في صحراء في القرن السابع الميلادي أن يأتي بكلام بليغ ومنظم ويتطابق مئة بالمئة مع الحقائق العلمية؟
 
 

Monday, 28 February 2011

تشبيه المؤمن بالنخلة

Monday, 28 February 2011 0
ورد في صحيح البخاري:
1- عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ ،وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ ،وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ،وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ "

2- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ ، وَالْفَاجِرُ كَالْأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ "

3- عن مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا يَتَحَاتُّ"، فَقَالَ الْقَوْمُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذَا هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ ،فَقَالَ: " هِيَ النَّخْلَةُ "

*وقد وجدت شرحا علميا عجيبا للحديث الأخير ، وهو فيما يلي:


(( مثل المؤمن كشجرة لايتحات ورقها ))



إعداد الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى.

في جلسة علمية إيمانية عصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهن أصحابه قائلاً لهم: ( مثل المؤمن كشجرة لايتحات ورقها ) أي لا يسقط ورقها.
هل تعلم أخي المسلم الشجرة المقصودة في لحديث السابق؟!
وما الحكمة في تشبيه المؤمن بهذه الشجرة ؟!
الحديث كما رواه الإمام مسلم في صحيحه: عن ابن عمر (رضي الله عنهما ) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن ؟!!
وفي رواية ( مثل المؤمن كشجرة لايتحات ورقها ).فجعل القوم يذكرون الشجر من شجر البوادي، قال ابن عمر (رضي الله عنهما): وألقي في روعي أنها النخلة، فجعلت أريد أن أقولها فإذا بأسنان القوم (أي كبارهم وشيوخهم) فأهاب أن أتكلم.
فلما سكتوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هي النخلة ".
إذاً الشجرة المقصودة هي النخلة.
الشجرة والمؤمن:
- الشجرة سيدة المملكة النباتية من الناحية العلمية، الظاهرية، والتشريحية والوظائفية، والبيئية فهي: معمرة تتغلب على التقلبات السنوية، طيبة مثمرة نافعة.
- المؤمن: سيد المخلوقات الإنسانية من الناحية العلمية، والعقائدية،والوظائفية والاجتماعية فهو: يتحمل المصاعب، مثمر أينما وقع نفع.
والسؤال المطروح عليك أخي المسلم ما الحكمة في تشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة؟
إليك بعض ما فتح الله به علينا في ذلك:
أولاً: ثبات الشكل الظاهري:
فالنخلة رغم جمالها الأخاذ لها شكل ظاهري واحد لا يتغير إلا للأحسن فيزداد حسنها بظهور ثمرها ودنو قطوفها، وللمؤمن أيضاً هيئة ظاهرية واحدة، لا يتقلب حسب الموضة والأهواء، ولكنه يتزين لزوجته فيسرها بمنظره قال ابن عباس: ( إني أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي )، وهو يتزين في العيدين وقت قطوف ثواب الصوم والحج كما تتزين النخلة وقت قطوف الثمر، ويتزين يوم الجمعة، وعند المجالس، والمساجد ومقابلة الوفود، وهو يتزين بالمشروع ولا يتزين بغير المشروع.
ثانياً: ثبات الأصل وسمو الفرع:
فالنخلة أصلها ثابت في الأرض، وفرعها في السماء، تتحمل الجفاف، وتقلبات الطقس، وتصبر على الشدائد البيئية، ولا تعصف بها الرياح بسهولة، وتستمد طاقتها من الشمس والهواء بورقها المهيأ لذلك وقوتها في هالتها الورقية.
والمؤمن قوي ثابت في أصول الإيمان، يرتبط بالأرض التي خلق منها واستمد منها الماء والمعادن، ويتحمل الشدائد والفتن والابتلاء، ويصبر ولا يضجر وهامته مرفوعة تستمد نورها وعلمها من السماء، حيث الوحي وأوامر الله، ويرفع يديه إلى الله في الدعاء والشدة. وقوة المؤمن في عقله وتفكيره، وقوة النخلة في هالتها الورقية، والمؤمن لا يستغني عن الوحي الإلهي، والنخلة لا تستغني عن الضوء الإلهي.
ثالثاً: النفع الدائم:
فالنخلة نافعة بثمارها، وأوراقها، وظلها، وجذعها، وخوصها، وكرانيفها، وليفها، وكروبها، وعذوقها، وأنويتها، وقطميرها، وجمارها، وجمالها في حياتها وبعد موتها.
والمؤمن أينما وقع نفع، وهو نافع: بعلمه، وأخلاقه، وماله، وجهده، وحديثه، وفضل زاده، وفضل ظهره، وفعله، وقوته، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وتعاونه على البر والتقوى، وتراحمه، وترابطه، وتآزره مع المجتمع.
رابعاً: مقابلة السيئة بالحسنة:
فالنخلة صبورة حليمة كريمة تُرمى بالحجر فتسقط أطيب الثمر.
والمؤمن معرض عن اللغو، وإذا خاطبه الجاهلون قال سلاماً، ويصفح عن المسيئين ولا يظلم ولايجهل على الجاهلين كما قال الشاعر:
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعا
يرمى بحجر فيلقي بأطيب الثمر
خامساً: دنو القطوف مع سمو الأخلاق:
فالنخلة قطوفها دانية في كل أحوالها، في حال قصرها وطول جذعها لسهولة الصعود إليها، والصعود إليها لا ينال من أوراقها، ولا يكسر أغصانها، ولا ينال جُمارها ولابرعمها الطرفي.
والمؤمن سهل القطوف، يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ويطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، يحب الناس ويغدق عليهم، ولا يتخلى عن أخلاقه وثوابته مهما زادت الألفة والمحبة والمخالطة بينه وبين الناس.
سادساً: يؤكل ثمرها كل حين:
فالنخلة نافع بثمارها،وأوراقها، وظلها، وجذعها، وخوصها، وكرانيفها، وليفها، وكروبها، وعذوقها، وأنويتها، وقطميرها، وجمارها، وجمالها في حياتها وبعد موتها.
فالنخلة يؤكل ثمرها بكميات كافية كل حين على هيئة: الطلع، والجمري، والبُسر، والرطب، والمقابة، والتمر(1)، وعندما تجف الثمار تؤكل طوال العام فهي زاد للمسافر وعصمة للمقيم، سهلة التخزين بطيئة الفساد والتغير.
والمؤمن يخرج زكاة ماله كل حول إن بلغ ماله النصاب، ويخرج زكاة فطره في رمضان، ويتصدق طوال العام، ويسارع في الخيرات، ويطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، وهو يطعم عند العقيقة لأبنائه، وعند الزواج، وعند الأضحية، وعند الحج، وعند خروج الثمار وغير ذلك من أوجه إطعام الطعام.
سابعاً: محكومية الحركة:
فالنخلة غير مدادة، لا تعتدي على جيرانها بسيقانها أوفروعها، ولها حرم معلوم، وهي محكومة في انتشارها في البيئة لذلك لا تؤذي المحيطين بها.
والمؤمن محكوم بالضوابط الشرعية مع المحيطين به، متوقع السلوك، لايدخل بيت غيره إلاﱠ بإذنه، ولايطلع على عورات غيره، ولايترك لبصره العنان، تجده حيث أمره الله، وتفتقده حيث نهاه، ويتقي الله حيثما كان.
ثامناً: تشذب في العام مرة:
فالنخلة تشذب في العام مرة حيث تسقط الأوراق الصفراء التالفة.
والمؤمن يصوم في العام مرة، وتسقط عنه ذنوبه بالصوم، ويتزين بعد الصيام في العيد.
تاسعاً: أهمية البرعم الطرفي:
فالنخلة على خلاف معظم الشجر تموت إذا قطع برعمها الطرفي.
والمؤمن من دون العقل يسقط عنه التكليف والحساب، ويصبح في عداد الأموات من حيث الثواب والعقاب.
عاشراً: معلومية التلقيح:
فالنخلة رغم أنها من ذوات الفلقة الواحده ذاتية التلقيح الهوائي مثل القمح والشعير والذرة والموز والأرز، ولكن النخلة خلاف نباتات الفلقة الواحدة تحتاج إلى تأبير، وهي تعلن عن حاجتها للتلقيح عندما تخرج نوراتها، وعندما يتم تلقيحها تنشق بطريقة يعلم الجميع منها أنها لقحت، وإذا تركت دون تلقيح بالإنسان شاصت.
وكذلك المؤمن مشهود على زواجه ودخوله بزوجه من الجميع، ومعلن عن ذلك بالدفوف، ويحتاج زواجه إلى شاهدين وولي وإيجاب وقبول، والزواج السري باطل.
أحد عشر: أفضلها معلومة الصفات الوراثية:
فأفضل أنواع النخل معلوم الأصل يتم تكاثره خضرياً بالفسائل أو بزراعة الأنسجة.
والمؤمن معلوم الأصول الوراثية، وهو ثابت في دينه، لايبتدع، ولايخلط شرع الله بشرع البشر، وإذا صنع ذلك فسد عمله ورد كما يتلف النخل إذا بدل صفاته الوراثية، ولاتؤكل ثماره ولاتباع بسهوله، بل يعلف به الدواب لرداءته.
ثاني عشر: حلو الطعم عديم الرائحة:
فثمار النخلة حلوة الطعم عديمة الرائحة، وكذلك المؤمن الذي يعمل بالقرآن ولايقرؤه، فطعمه حلو ولا رائحة له.
ثالث عشر: تفاوت الدرجات:
فالنخلة أنواع وأجناس وأصناف، منها شديد الحلاوة ممتاز الطعم (كالعجوة وهي تمر المدينة المنورة التي زرعها المصطفى صلى الله عليه وسلم بيديه ومنها جيد الطعم ومع ذلك ففي كل النخل خير، وكذلك إيمان المؤمن يزيد وينقص، والمؤمنون درجات منهم الصديقون ومنهم السابقون ومنهم المذنبون ( والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير).
رابع عشر: النخلة لايتساقط ورقها:
الورقة في النبات هي الموضع الرئيس للبناء الضوئي والنتح ورفع العصارة من الأرض، وتثبت ثاني أكسيد الكربون الجوي وطاقة الشمس الضوئية وتشطر الماء لتنتج المواد الغذائية والأكسجين للكائنات الحية وبها تظلل الشجرة الإنسان والحيوان، وعندما تسقط الورقة في النباتات الوسطية، تتوقف العمليات السابقة وتدخل الشجرة في كمون للعام القادم.
أما النخلة فهي من النباتات دائمة الخضرة التي لايتحات ( أي يسقط ) ورقها فهي دائمة البناء الضوئي وانتاج الأكسجين والتظليل وصعود العصارة.
وهكذا المسلم دائم التلقي من الله ودائم الإنتاج والعبادة طوال العام ولايستغني عن رحمة الله ورزقه وطاعته طرفة عين فهو دائم التلقي والعطاء، كما أن النخلة دائمة التلقي والعطاء.
النخلة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه الكرام:
النخلة هي الزرع أي الأصل، والصحابة هم الشطء أي الفسائل وهذا مثل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابه في الإنجيل ( ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) الفتح 29. وقدبينا الاعجاز العلمي في هذه الآية، وكيف يشهد القرآن والنبات بعدالة الصحابة واتباعهم(2).
وصف جميل للنخلة:
قال لقمان لابنه يا بني: ليكن أول شيء تكسبه بعد الإيمان بالله خليلاً صالحاً فإنما الخليل الصالح كالنخلة إذا قعدت في ظلها أظلتك، وإذا احتطبت من حطبها نفعتك، وإذا أكلت من ثمارها وجدته طيباً.
وعن الشعبي أن قيصر ملك الروم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد فإن رسلي أخبرتني أن قِبَلكم (بكسر القاف وفتح الفاء ) شجرة، تُخرج مثل أذان الفيله، ثم تنشق عن مثل الدر الأبيض، ثم تخضر كالزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تنضج فتكون كأطيب فالوذج (حلوى) أكل، ثم تينع وتيبس فتكون عصمة للمقيم وزاداً للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فإنها من شجر الجنة.
فكتب إليه عمر رضي الله عنه يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن رسلك قد صدقتك، وإنها الشجرة التي أنبتها الله جل وعز على مريم حين نفست بعيسى فاتق الله ولاتتخذ عيسى إلها من دون الله.
قال أبو حاتم السجستاني رحمه الله في كتابه النخل: النخلة سيدة الشجر مخلوقة من طين آدم – صلوات الله عليه – وقد ضربها الله – جل وعز- مثلاً لقول (لاإله إلا الله ) فقال تعالى: ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة )، وهي قول لاإله إلا الله ( كشجرة طيبة ) وهي النخلة، فكما أن لا إله إلا الله سيدة الكلام كذلك النخلة سيدة الشجر
وهكذا إخوة الإسلام مثل المؤمن كشجرة لايتحات ورقها فهو كالنخلة في صفاتها ونفعها وجمالها وكرمها وسموها.

بقلم الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى
أستاذ النبات ـ ومدير مركز ابن النفيس في البحرين
 
والقلم وما يسطرون. Design by Pocket